تفسير الآيات 4 - 8 من سورة التين لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

تفسير الآيات 4 - 8 من سورة التين لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

مُساهمة من طرف عاشقة البحر والغروب في الأربعاء أبريل 25, 2018 1:04 am


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

أيها الإخوة المؤمنون، في سورة التِّين يقول الله عز وجل: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾[سورة التين]

الكَمَال البَشَري كمالٌ مٌطْلق، قال تعالى:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ(8)﴾[سورة البلد]

بالعَيْنَين ترى البُعْد الثالث، وقال تعالى:

﴿ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ(9)﴾[سورة البلد]

الله تعالى علَّم الإنسان البيان، فَهُوَ يتكلَّم ويسْمع ويكتب ويقرأ، قال تعالى:

﴿ الرَّحْمَانُ(1)عَلَّمَ الْقُرْآنَ(2)خَلَقَ الْإِنسَانَ(3)﴾[سورة الرحمان]

وجعلهُ يُدْرِك، والأشياء التي غابَتْ عنه، فالماء يَدُلّ على الغدير والبَعْر يدلّ على البعير، والأقدام تدلّ على المسير، أَفَسَماءٌ ذات أبْراج ! وأض ذات فِجاج ! أفلا يدُلاَّن على الحكيم الخبير ؟ كرَّمهُ بالعَقل والعَيْنين والأذُنَين فَبِهِما يعرف جِهَة الصَّوت، وجعل الله الأنْف فوق الفم، فلو أنّ الطَّعام فاسِد عافَهُ الإنسان، ولو أدْخل قَسْرًا لتقَيَّأَهُ، وجعلهُ منتَصِبَ القامة على قدَمَين صَغيرتَيْن بِفضْل جِهازٍ بالِغِ التَّعْقيد في الأُذُن ؛ جِهاز التَّوازُن، فلولا هذا الجِهاز لاحْتاج الإنسان إلى آلات بالغَة التَّعْقيد، فالإنسان لو سار في الطِّين وحمل حذاءَهُ وزْنًا من الطِّين يُصْبِحُ المَشي أشْغالاً شاقَّة، فالله أكْرَمَهُ بِجِهَاز التَّوازن وإدراك جِهَة الصَّوت، وكرَّمَهُ بالألوان ؛ فالقِطَط ترى الأبيَض والأَسْوَد، وجعل لهُ شَعْرًا كَتَاجٍ يُتَوِّج رأسَهُ، وثلاثمائة ألف شَعْرة، لِكُلِّ شَعْرة ويد وشِريان وعضلة وغُدَّة دِهْنِيَّة وصِبْغِيَّة، لقد خَلَقْنا الإنسان في أحْسَن تَقْويم، والإنسان كُلْيَتاهُ تُفْرِزان كلّ عِشْرين ثانِيَة نُقْطة، لولا المَثَانَة لكانت حالة الإنسان لا تُطاق، وهذه المَثَانَة تُجَمِّع لِتْر ونِصْف تَقْريبًا ؛ خمس ساعات أو أكثر تجد نفْسَكَ نظيفًا دون أن تظهر منك ولا قطرة بَول، وتُسافِر وأنت مُرتاح، وللمَثانَة عضَلات مِن أجل تَوْفير الوَقت، ولولا هذه العَضَلات لكَانَ إفْراغُها مُسْتَحيلاً ؛ وجعَلَ الله قلْبًا يعمل حتى وأنت نائِم لو كلَّفَك بالنَّبْض لما أمْكَنَكَ أن تنام، تنامُ فَتَموت، ولو كلَّفَك بالتَّنَفُّس لما أمْكَنَك أن تنام ؛هناك مَرْكز التَّنْبيه الدَّوري للبَصَلَة السِّيسائِيَّة، إذا تعطَّل هذا المركز لما أمْكَنَ لأحدٍ أن ينام ؛ يُجْري تنَفُّس اصْطِناعي فإذا غفل ماتَ فَوْرًا، قال تعالى:

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾[سورة التين]

قلب ورِئتين ومَعِدَة وأمْعاء، وأمعاء طَويلة طولها ثمانِيَة أمْتار مِن أجْل أن تأخذ خُلاصَة الطَّعام مِن خِلالها.
قال تعالى:

﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ(10)﴾[سورة البلد]

لبَنٌ في الثَّدْيَيْن بارِدٌ في الصَّيف، وساخِنٌ في الشِّتاء، ومُعَقَّم وفيه مناعَةُ الأمّ، ومواد تَمْنَع الْتِصاق الطَّعام والجراثيم بالأمعاء، فَحَليب الأم فيه مَيِّزات مُذْهِلَة، والله قال:

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾[سورة التين]

فإن لم يَعْرِفْنا، ولم يسِرْ على منهج الله حينها كما قال تعالى:

﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)﴾[سورة التين]

ذكر لي أخ له والِدَة مُلْقاة على ديوان، وأيْديها وأرجُلها مُربَّطَة، فقلتُ له: لماذا ؟‍! قال: لأنّنا إن فَكَكْنَا عنها الرِّباط خلَعَتْ كلّ ثِيابِها، وأكلَتْ مِن غائِطِها !! قال تعالى

﴿ : مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾[سورة النحل]

فالإنسان إذا ما عرفَ الله يُرَدُّ إلى أرْذَل العُمر، والأصل في خريف العمر لا في ربيع العُمر، ففي الربيع كلّ الناس تتساو، أما التَّفاوُت ففي الخريف ؛ كيف أمْضى حياته ؟ في طاعة الله إذًا له خريف مُتَألِّق وكيف أمضى حياته ؟ بِدَخْل حلال، وإن أمْضاهُ بالمَعْصِيَة فإنَّه يُرَدُّ إلى أرْذَل العُمر، قال تعالى:

﴿ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾[سورة النحل]

رَدَدْناهُ أسْفَل سافلين بعد أن خلقناهُ في أحْسَن تَقْويم، فإذا شَكَر بَقِيَ في أحْسَن تَقْويم وفي شبابٍ دائِم، أما إن لم يَشْكُر فإنَّه يُرَدُّ إلى أرْذَل العُمر.
ثمَّ قال تعالى:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6)﴾[سورة التين]

المؤمنون خطُّهم البياني صاعِد، والموت نقطة على هذا الخط، ويبقى بعد الموت صاعِدًا إلى الجنَّة.

كُلُّ أجر مَمْنون لا يُعَدّ عطاءً إلَهِيًّا، فالدنيا مَقْطوعة، فالرِّزق ما انتفَعْتَ به، والكَسب ما لم تنتَفِع به ولكنَّك مُحاسَبٌ عليه، فَكُلّ عَطاء ينتهي بالموت فليس عطاءً، ولا يليق بالله تعالى أن يكون هذا هو عَطاؤُهُ، ولا يليق بِكَرَمِ الله أن يُعطي الإنسان الدنيا، فلو أنَّ الدنيا تَعْدل عند الله جناح بَعوضَة ما سقى الكافر منها شَربَة ماء، فقلد مرَّ النبي عليه الصلاة والسلام مع أصْحابِهِ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ ومُتَفَسِّخَةٍ فقال عليه الصلاة والسلام: كم هذه الشاة هيِّنة على أهْلها ! للدُّنيا أهْوَنُ على الله من هذه الشاة على أهْلِها..."

قال تعالى:

﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(126)﴾[سورة البقرة]

وقال تعالى:

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا(77)﴾[سورة النساء]

وقال تعالى:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ(38)﴾[سورة التوبة]

وقال تعالى:

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ(26)﴾[سورة المطففين]

البُطولة أن تعمل للآخرة، لا أن تعمل للدُّنيا ؛ لأنَّ الدنيا مُنقَطِعة شبَّهْتُ للإخوة في الأسبوع السابق أنَّ لو سباق سيارات فيه ألف سيارة وكلُّها متنوِّعة من حجم وشكل وموديل، وينتهي هذا السِّباق بِقاطِع وحُفْرة بالنِّهاية، فَكُلُّهم تنتظرهم هذه الحُفرة بالأولى والثانية والأخيرة والكبيرة والصغيرة والأحدث موديل !! فهل هذا سِباق ؟! هذا سِباق أحْمَق، وهكذا الدنيا ؛ الفقير يموت والغني يموت، وكذا الضعيف والقويّ والموت واحِد، فالموت يجمعُ بيننا؛ لذا قال تعالى:

﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6)﴾[سورة التين]

ثمَّ قال تعالى:

﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8)﴾[سورة التين]

والحمد لله رب العالمين



المصدر : موسوعة النابلسي

avatar
عاشقة البحر والغروب
عضو مبتدئ

تاريخ التسجيل : 14/11/2017
عدد المشاركات : 407

مستوى التقييم : 789
بلد العضو : المغرب
الجنس : انثى
العمر : 29
إعجاب : 0
تاريخ الميلاد : 12/02/1989

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير الآيات 4 - 8 من سورة التين لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

مُساهمة من طرف الاميرة كاجول في الأربعاء مايو 09, 2018 9:38 pm


السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
شكرا على الموضوع الجميل و المميز
جزاك الله خيرا وليبارك لك في قلمك الراقي

avatar
الاميرة كاجول
عضو مبتدئ

تاريخ التسجيل : 14/11/2017
عدد المشاركات : 427

مستوى التقييم : 728
بلد العضو : المغرب
الجنس : انثى
العمر : 26
إعجاب : 1
تاريخ الميلاد : 05/04/1992

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير الآيات 4 - 8 من سورة التين لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

مُساهمة من طرف منصورة في الخميس مايو 10, 2018 1:28 pm


يعطيك العافيه على الطرح المميز
جعله فى ميزان حسناتك يوم القيمه
دمتي بحفظ الرحمن




التوقيع

_________________


avatar
منصورة
مديرة المنتدى

تاريخ التسجيل : 07/12/2017
عدد المشاركات : 194

مستوى التقييم : 308
بلد العضو : الجزائر
الجنس : انثى
العمر : 55
إعجاب : 4
تاريخ الميلاد : 28/01/1963

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

سجل دخولك لتستطيع الرد بالموضوع

لابد تكون لديك عضوية لتستطيع الرد سجل الان

سجل معنا الان

انضم الينا بمنتديات جديد كوم فعملية التسجيل سهله جدا ؟


تسجيل عضوية جديدة

سجل دخولك

لديك عضوية هنا ؟ سجل دخولك من هنا .


سجل دخولك

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى