مظاهر التجديد في تفسير القرآن الكريم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

مظاهر التجديد في تفسير القرآن الكريم

مُساهمة من طرف فخورة بديني‎ في الجمعة مايو 04, 2018 8:18 pm


مظاهر التجديد في تفسير القرآن الكريم
حظي القرآن الكريم باهتمام لم يحظ به أي كتاب وضعي أو سماوي آخر وقد تجلى ذلك في مظهرين، الأول: أن الاعتناء به لم يقتصر على المؤمنين به وإنما شمل كذلك المتشككين والجاحدين، والثاني تواصله زمانيا ومكانيا؛ إذ لم يعرف القرآن انقطاعا تاريخيا فمنذ لحظة نزوله وحتى يومنا هذا تواصلت الدراسات القرآنية واتخذ التصنيف القرآني أشكالا متعددة أهمها: التفاسير وكتابات إعراب القرآن ومعاني القرآن، وغريب القرآن وأحكام القرآن وغيرها، كما لم يعرف انقطاعا جغرافيا فقد أسهمت شتى بقاع العالم الإسلامي في الدراسات القرآنية حتى تلك البلدان القاصية عن مركز العالم الإسلامي كالهند وروسيا وشنقيط (موريتانيا).
ومنذ مطلع القرن التاسع عشر اتجه عدد من العلماء إلى وضع تفاسير قرآنية جديدة، ولهذا ما يفسره فقد أدرك هؤلاء مدى التخلف الذي أصاب أمتهم مع بدايات الاحتكاك بالغرب، وكان الإشكال المطروح هو إذا كان القرآن منهج حياة قادر على إصلاح الأنفس والمجتمعات فلماذا لم يعد قادرا على إصلاح واقعهم وتحقيق نهضتهم كما كان الحال في القرون الخالية؟ وتوصلوا إلى أن الخلل يكمن في منهج تعامل العقل المسلم مع القرآن وأنهم في حاجة إلى تفاسير جديدة واستنباط مناهج جديدة للتعامل معه قادرة على تلبية احتياجات العصر الحديث.
ومن هذه التفاسير تفسير “فتح القدير” لشيخ المجتهدين الإمام الشوكاني اليمني (ت: 1843م) وهو يقع في ستة مجلدات وقد حاول مؤلفه أن يوفق بين منهجين من مناهج التفسير هما التفسير بالراوية (الأثر) وبين التفسير بالدراية (العقل)، وتفسير “روح المعاني” لعلامة العراق محمود الألوسي (ت: 1854م) وهو تفسير ضخم يقع في ثلاثين جزءًا، وتفسير “فتح البيان في مقاصد القرآن” للعلامة الهندي محمد صديق خان (ت: 1890م) وهو يقع في 10 مجلدات ولعله أول تفسير حديث يلتفت إلى المقاصد القرآنية، وتفسير “محاسن التأويل” لجمال الدين القاسمي (ت: 1914م) المصلح الشامي المعروف وهو يقع في 17 مجلدا.
وهذه التفاسير على تنوعها لم تشكل اتجاها تفسيريا جديدًا، فقد ظلت متمسكة بالمناهج القديمة التي تراوحت بين التفسير بالأثر وبين التفسير بالرأي أو محاولة الجمع بينهما، والكثير منهما كان يعود إلى كتب التفاسير السابقة لينقح ما فيها من بدع أو اسرائيليات مضيفا إليها بعض الاستنباطات التي استخرجها بفكره.
مدارس التجديد في التفسير
ومع مطلع القرن العشرين طرأت متغيرات مهمة على حركة التفسير سواء على صعيد المناهج متمثلة في: صعود الاهتمام بالمفردة القرآنية (مفهوما واصطلاحا) أو ما بات يعرف باسم الدراسة المصطلحية للقرآن الكريم، وظهور (المقال التفسيري) الذي يُعنى بقضية معينة ويسعى إلى جمع الشواهد القرآنية المتعلقة بها وتأويلها أو على صعيد بروز مدارس تفسيرية جديدة كالتفسير العلمي و التفسير البياني ولعل أهمها التفسير الإصلاحي.
– مدرسة المنار : جاء ميلاد التيار الإصلاحي مع تفسير المنار، وأول ما يستوقفنا تلك العبارة الافتتاحية التي وضعها رشيد رضا (ت: 1935م) على صفحة الغلاف يُعرف فيها بطبيعة هذا التفسير المتفردة بقوله “هذا هو التفسير الوحيد، الجامع بين صحيح المأثور وصريح المعقول، الذي يبين حِكم التشريع وسنن الله في الإنسان، وكون القرآن هداية للبشر في كل زمان ومكان، ويوازن بين هدايته وما عليه المسلمون في هذا العصر وقد أعرضوا عنها، وما كان عليه سلفهم المعتصمون، مراعى فيه السهولة في التعبير، مجتنبا مزج الكلام باصطلاحات العلوم والفنون، بحيث يفهمه العامة، ولا يستغني عنه الخاصة”، ويبدو منها أن المنار لم يدع أنه يختط لنفسه منهجا جديدا وإنما اعتمد المناهج التفسيرية المستقرة من تفسير بالأثر وتفسير بالعقل، وأنّ غاية تجديده هي المباحث التي سيتوسع فيها؛ والتي قصّر فيها المفسرون السابقون من بيان حِكَم التشريع والسنن الإلهية والتأكيد على الطابع الهدائي للقرآن، وفي استخدام لغة يسيرة يفهما العالمِ والعامي.
ويقر رضا في مقدمة تفسير المنار أن جوهر القرآن كونه كتاب هدى ونور وتزكية فالله سبحانه تعالى “لم ينزله قانونًا دنيويًا جافا كقوانين الحُكام، ولا كتابا طبيا لمداوة الأجسام، ولا تاريخا بشريا لبيان الأحداث والوقائع، ولا سفرًا فنيا لوجوه الكسب والمنافع “[1] وظاهر العبارة يوحي أنه لا يعد المحاولات التفسيرية التي تجعل من القرآن كتاب طبيعة أو طب أو قانون وسياسة تفسيرا، لأنه لا يتوقف عليها أمر الوحي.
وعلى الرغم من التأكيد النظري على المقصد الهدائي إلا أن رشيد رضا لم يقف عنده، فقد انشغل بضرورة تحقيق بعض المسائل الإصلاحية لذا كان كثيرا ما يخرج عن سياق التفسير ويقوم ببعض الاستطرادات الموسعة التي كانت تصل إلى عشرات الصفحات في بعض الأحيان[2] وعلل ذلك بأنها مسائل “تشتد حاجة المسلمين إلى تحقيقها بما يثبتهم بهداية دينهم في هذا العصر، أو يقوي حجتهم على خصومهم من الكفار والمبتدعة، أو يحل بعض المشكلات التي أعيا حلها بما يطمئن به القلب وتسكن إليه النفس[3]“، وبهذا التعليل يكون رشيد رضا قد استعاد مركزية القرآن في إصلاح أوضاع الأمة، والتي كانت أقصيت في بعض الفترات لصالح أقوال المتكلمين والفقهاء.
– مدرسة عبد الحميد الفراهي : لم تكن مدرسة المنار التفسيرية نبتا وحيدا وإنما ظهرت في الهند وفي ذات الوقت تقريبا مدرسة تفسيرية إصلاحية كان لها أثرها في تطور الدراسات التفسيرية، وهي مدرسة السيد عبد الحميد الفراهي (ت: 1930م) الذي جمع بين الثقافة الإسلامية والثقافة المعاصرة بفضل اتقانه اللغتين العربية والانجليزية، وقد وضع الفراهي عددًا من المؤلفات القرآنية -جلها باللغة العربية- ومنها “تاريخ القرآن” الذي يتعلق بدفع الشبهات عن توثيق النص القرآني، و”دلائل النظام” الذي اختصه ببيان الحكمة من ترتيب سور وآيات القرآن و(إمعان في أقسام القرآن) الذي أفرده ببيان طبيعة القسم في القرآن وخصائصه[4].
كما أن له عددًا من المصنفات وثيقة الارتباط بمنهجية التفسير وتشكل في مجموعها إطارا نظريا متكاملا، وهي: “مفردات القرآن” الذي خصصه لدراسة المفردة القرآنية بشكل مستقل، و”أساليب القرآن” الذي خصصه لبحث وجوه الأساليب القرآنية ومواقع استعمالاتها وكشف من خلال على معرفة عميقة باللسان العربي، و “التكميل في أصول التأويل” الذي وضع فيه أصول فهم القرآن وضوابط تأويله إلى المعنى المراد المخصوص التي تبعد به عن وجوه الاحتمالات الظنية[5].
ولم يكتف الفراهي بالتنظير وإنما انتقل إلى مرحلة التطبيق حين شرع في وضع تفسير للقرآن الكريم أسماه “نظام القرآن وتأويل الفرقان بالفرقان” غير أنّ القدر لم يمهله إذ توفي قبل أن يتُمه تاركا لنا بعض السور التي فسرها وإنتاجه المعرفي القرآني الرصين الذي لم يلتفت إليه إلا نفر من الدارسين في مقدمتهم الدكتور حسين نصار في كتابه “القسم في القرآن”.
وبالجملة كرس هؤلاء العلماء جهودهم لإنتاج تفاسير جديدة للقرآن تراعي احتياجات العصر وتجيب عن تساؤلاته، وقد خلف هؤلاء ورائهم انتاجا تفسيريا رصينا لم يقطع مع المناهج القديمة وإنما أضاف إليها مستفيدا من معارف العصر.

[1] رشيد رضا، تفسير القرآن الحكيم المشتهر باسم تفسير المنار، القاهرة: دار المنار، ط 2، 1366هـ/1947م، ج1، ص4.
[2] حازم زكريا محي الدين، مفهوم السنن الإلهية في الفكر الإسلامي: السيد رشيد رضا نموذجا، دمشق: دار النوادر، 2007، ص 110.
[3] رشيد رضا، تفسير المنار، ج1، ص 16.
[4] محمد البوزي، الدراسة المصطلحية وموقعها من مناهج التجديد في تفسير القرآن الكريم، ملتقى أهل التفسير، على الرابط التالي: http://vb.tafsir.net/tafsir24785/#.VOogoC5RKmc
[5] أنظر مدارسة عبد الرحمن الشهري لكتاب إمعان في أقسام القرآن، على موقع ملتقى أهل التفسير، على الرابط التالي:
https://vb.tafsir.net/tafsir125/#.WuSfzpe-nIU
إسلام أون لاين

avatar
فخورة بديني‎
عضو مبتدئ

تاريخ التسجيل : 17/11/2017
عدد المشاركات : 318

مستوى التقييم : 814
بلد العضو : الجزائر
الجنس : انثى
العمر : 27
إعجاب : 0
تاريخ الميلاد : 15/09/1990

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مظاهر التجديد في تفسير القرآن الكريم

مُساهمة من طرف nassima في الجمعة مايو 04, 2018 11:07 pm


لك كل الشكر والتقدير على مجهودك الرائع والمميز

avatar
nassima
عضو مبتدئ

تاريخ التسجيل : 17/11/2017
عدد المشاركات : 413

مستوى التقييم : 851
بلد العضو : تونس
الجنس : انثى
العمر : 27
إعجاب : 0
تاريخ الميلاد : 19/07/1990

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

سجل دخولك لتستطيع الرد بالموضوع

لابد تكون لديك عضوية لتستطيع الرد سجل الان

سجل معنا الان

انضم الينا بمنتديات جديد كوم فعملية التسجيل سهله جدا ؟


تسجيل عضوية جديدة

سجل دخولك

لديك عضوية هنا ؟ سجل دخولك من هنا .


سجل دخولك

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى